محمد الغزالي

37

فقه السيرة ( الغزالي )

منزلة السنّة من الكتاب الكريم من حقّ المسلم أن يرتّب المصادر التي يأخذ عنها دينه ، وأن يدرك الوضع الصحيح للمحفوظ من قول النبيّ عليه الصلاة والسلام وفعله ، إلى جوار السّجل الثابت للوحي الإلهي الذي خصّت به الرسالة الخاتمة . إن القران روح الإسلام ومادته ، وفي آياته المحكمة شرع دستوره ، وبسطت دعوته ، وقد تكفّل اللّه بحفظه فصينت به حقيقة الدين ، وكتب لها الخلود أبد الابدين ، والرجل الذي اصطفاه اللّه لإبلاغ آياته وحمل رسالاته ، كان ( قرانا ) حيّا يسعى بين الناس ، كان مثالا لما صوّره القران من إيمان وإخبات ، وسعي وجهاد وحق وقوة ، وفقه وبيان ، فلا جرم أن قوله وفعله وتقريره وأخلاقه وأحكامه ، ونواحي حياته كلها ؛ تعدّ ركنا في الدين ، وشريعة للمؤمنين . إن اللّه اختاره ليتحدّث باسمه ويبلّغ عنه ، فمن أولى منه بفهم مراد اللّه فيما قال ؟ ! ومن أولى منه بتحديد المسلك الذي يتواءم مع دلالات القران القريبة والبعيدة ؟ ! . إن تطبيق القانون لا يقلّ خطرا عن صياغته ، وللقانون نصّ وروح ، وعند علاج الأحداث المختلفة لتسير وفق القانون العتيد ، تجدّ فتاوى وتدوّن نصائح وتحفظ تجارب وعبر ، وتثبت أحكام بعضها أقرب إلى حرفية النص وبعضها أدنى إلى روحه ، وهكذا . والقران هو قانون الإسلام ، والسنّة هي تطبيقه ، والمسلم مكلّف باحترام هذا التطبيق تكليفه باحترام القانون نفسه ، وقد أعطى اللّه نبيّه حقّ الاتباع فيما يأمر به وينهى عنه ؛ لأنه - في ذلك - لا يصدر عن نفسه ، بل عن توجيه ربه ، فطاعته هي طاعة اللّه ، وليست خضوعا أعمى لواحد من الناس . قال اللّه عز وجلّ : مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً ( 80 ) [ النساء ] .